الأربعاء، 21 يوليو 2010

طبيعة الأزمة التي يعيشها العالم افسلامي اليوم عقائدية

طبيعة الأزمة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم عقائدية :

مرّ العالم الإسلامي خلال تاريخه بأزمات عدّة لا تكاد تعدّ ولا تحصى لعل من أبرزها نكبة الأندلس وفتنة التتار والحروب الصليبية وغيرها كثير لكنهم كانوا في كلّ مرة ينفضون الغبار عن كواهلهم ويشمرون عن سواعدهم ثمّ ينطلقون من جديد انطلاقة عقائدية تعيد لهم مجدهم وتزيح عنهم ما طرأ عليهم من الذل والضيم ومن المحن والفتن فالتتار يوم دخلوا بغداد وعثوا فيها فسادا وتولى المسلمون على أدبارهم في أوّل الأمر فارين خائفين ظانين أنّ هذا جيش لا يقهر ولا يقف في وجهه أحد خرج للأمة من العلماء والدعاة من يذكرهم بربّهم ومن القادة والأمراء من يتقدم بهم إلى عدوهم غير آبهين بكثرته إزاء قلة الحقّ ولا بقوته إزاء استضعافهم فكان النصر حليفهم ولم تدم الأزمة طويلا وكذلك يوم سقطت الأندلس بالغرب الإسلامي سرعان ما قام في شرقه من يعيد لهذه الأمة شرفها ومجدها إذ فتحت الدولة العثمانية يومها عاصمة الصلبيين القسطنطينية ودخلت إلى عمق قارتهم الحصينة أوروبا ووصلت إلى أبواب فيينا وسان بطرسبورغ ..... وهكذا دواليك في كلّ أزمة كان مجرد التذكير بالعقيدة وشيئا من التخطيط والأسباب من شأنه أن يعيد الأمة إلى مجدها , لكن ما بالها اليوم طالت أزمتها وعظمت أكثر من ذي قبل

لعل الفرق الأساسي بين هذه النكسة المعاصرة وغيرها من نكسات الماضي أنّ الانحراف كان يطال من قبل أوّل ما يطال السلوك أما اليوم فهو في لبّ العقيدة.

كانت مرجعية الناس قديما دين الله متى شعروا بالضعف أو الغربة أو بمشكلة من المشاكل عادوا إلى دين الله والتفوا حول علماء الدين والشريعة يقودونهم إلى الفوز والنجاة.

وكان السلطان يومها على ما فيه من الزيغ والانحراف يستنبط قوته وشرعيته من عقيدة الإسلام فكتاب الله هو المحكم ودينه هو المُقَوّم

أما اليوم فالعلماء بعيدين أو مبعدين والسلطان قد انفصل عن القرآن ولم يعد للدين دور في توجيه الناس وفي ضبط وتسيير حياتهم اليومية إلاّ ما يتعلق ببعض الشعائر التعبدية ....

فالمشكلة إذا تكمن في البعد عن العقيدة والإسلام إنْ في التصورات أو السلوك على مستوى الفرد والدولة .

فلا بدّ من العودة للعقيدة أوّلا ولا بدّ من جهد مركز وأكبر من الجهود التي بدلت سابقا

أزمة مفاهيم :

إذا فصلنا النظر في أزمتنا العقائدية وحاولنا بدقة معرفة لبّها وسرّها لاحظنا أنّ أعظم ما نعانيه اليوم في نكستنا العقائدية هو جهل مبادئ العقيدة عند الكثيرين والتباس مفاهيمها عند معظم المسلمين حتى المنتسبين لحقل الدعوة والإصلاح منهم ...

قال الشيخ الألباني رحمه الله : "أما غالب المسلمين اليوم الذين يشهدون بأن: لا إله إلاّ الله فهم لا يفقهون معناها جيّدا , بل لعلهم يفهمون معناها فهما معكوسا ومقلوبا تماما ..."[1] وقال أيضاً: "لذلك فإني أقول كلمة ــ وهي نادرة الصدور مني ــ وهي: إنّ واقع كثير من المسلمين اليوم شرٌّ مما كان عليه عامة العرب في الجاهلية الأولى , من حيث سوء الفهم لمعنى هذه الكلمة الطيبة, لأنّ المشركين العرب كانوا يفهمون , ولكنهم لا يؤمنون, أما غالب المسلمين اليوم, فإنهم يقولون ما لا يعتقدون يقولون لا إله إلاّ الله ولا يؤمنون حقاً بمعناها." اهـ [2]

والأمر ليس مقتصرا على مفهوم لا إله إلاّ الله بل جلّ المفاهيم العقائدية والإسلامية قد دخلها من التحريف واللبس والشبه ما يجعل العودة إلى الدين لا تتمّ إلاّ بعد توضيح هذه المفاهيم وتجليتها كلّ الجلاء,

ولعل من أعظم هذه المفاهيم التباسا على المسلمين بعد لا إله إلاّ الله مفهوم العبادة التي أصبحت في حسّ عموم المسلمين لا تتجاوز ما يقدمه المسلم من شعائر تعبدية كالصلاة والصيام والحجّ

وكذا مفهوم القضاء والقدر الذي صار اعتقادا سلبيا يؤدي للفرار من تكاليف الحياة والتفلت من المسؤولية والقعود عن تغيير الواقع وإصلاحه وتعطيل السنن والأخذ بالأسباب ...

ومفهوم الدنيا والآخرة صارتا في حسّ عموم المسلمين متعارضتين لا يمكن الحصول على أحداهما إلاّ بالتخلي عن الأخرى...وغير ذلك من مفاهيم الإسلام ...

وإذا كانت غربة هذا الدين لا تنكشف إلاّ بعودة أهله إليه فإنّه ينبغي أن ننبه ها هنا إلى أنّ هذه الغربة أوّل ما تتمثل وتتجسد إنما تتمثل في التباس مفاهيمه واختلاطها على أهله والمنتسبين إليه قبل غيرهم من الأمم التي لا تؤمن به أصلاً فلا بدّ من تبيين الدين الصحيح والعقيدة الأولى العقيدة القويمة التي كان عليها السلف والتي بالعودة إليها تنكشف غربة وغمة الأمة لا بغيرها ... ومن هنا تغاير دعوتنا دعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم فإنّنا لا ندعوا الناس إلى التوحيد فقط كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم وإنّما نبيّنه ونوضحه أوّلاً ثمّ ندعوا الناس إليه ثانيا فلا يكفي أن نقول للناس قولوا لا إله إلاّ الله تفلحوا ولكن نقول لهم إنّ لا إله إلاّ الله معناها لا معبود بحق إلاّ الله في تصوراتنا ومشاعرنا وفي عباداتنا وشعائرنا وفي أحكامنا وشرائعنا وفي كلّ شؤون حياتنا... هي أن تخلص نفوسنا لله ولله وحده ... ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 162﴾[3]



[1] المصدر السابق ص14

[2] المصدر السابق ص16, 17

[3] الأنعام 162

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق